فصل: مسألة يبضع معه بالبضاعة من مكة إلى مصر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة كان له وكيل والرجل غائب وأوصى ببيع سلعة فباع الوكيل وباع الرجل في غيبته:

ومن كتاب أوله: نذر سنة يصومها:
وسئل مالك عن رجل كان له وكيل والرجل غائب وأوصى ببيع سلعة فباع الوكيل وباع الرجل في غيبته لمن ترى البيع؟ قال: إني لأقول القابض أولى، قال ابن القاسم: يريد إذا لم يقبض فالأول أولى، وهو بمنزلة النكاح، الأول أولى إلا أن يدخل الآخر فهو أولى. قال ابن القاسم: وقد بلغني ممن أثق به عن ربيعة مثل ذلك في البيع أنه للأول إلا أن يكون الآخر قد قبض فهو أولى، واحتج ربيعة بأن قال: لو ماتت في يده كان ضامنا لها، وهو مثل النكاح.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب النكاح من المدونة في النكاح وفي كتاب الوكالة منها في البيع، ولا اختلاف في هذا أحفظه في المذهب إلا ما حكى ابن حارث عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي من أن الأول أحق، قبضها الثاني أو لم يقبضها، وإنما يكون الثاني أحق بها إذا قبضها على مذهب مالك إذا باع البائع الثاني وهو لا يعلم ببيع الأول، وأما إن باع وهو يعلم ببيعه أو قبض المشتري السلعة وهو يعلم ذلك في وقت قبضه فالأول أولى كما قال عيسى فيمن وكل رجلا على نكاح ابنته البكر فيزوجها كل واحد منهما ولا يعلم واحد منهما بإنكاح صاحبه فهي للأول إلا أن يدخل بها الآخر من غير علم منه بالأول، فإن دخل بها الآخر عن علم بالأول فرق بينهما وردت إلى الأول ويعطيها الآخر صداقها بالمسيس، فعلى هذا قياس البيع. قال ابن حبيب: وإن لم يقبض السلعة ولم يعرف الأول وادعى كل أنه الأول تحالفا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي للحالف منهما، وإن حلفا أو نكلا أو تجاهلا جميعا فهي بينهما، يريد يكون لكل واحد منهما نصفها بنصف الثمن الذي اشتراها به، وقد روى عن مالك أنها تقسم بينهما إذا حلفا بأدنى الثمنين، قيل لابن القاسم: إن هذا يقول إنما اشتريتها كلها فلا حاجة لي بنصفها، قال: فيذهب ويسلمها لصاحبه، قال ابن حبيب: ثم يخير كل واحد منهما في أن يتمسك بنصفها بنصف الثمن الذي ابتاعها به أو يردها ويأخذ جميع الثمن إلا أن يقول أحد البائعين عند استواء حالة المشتريين إنه باع أولا وتجاهل ذلك، صاحبه فالقول قول المقر منهما بأنه باع أولا، وإن قال صاحبه أيضا: بل أنا بعت أولا تحالفا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما، وإن حلفا أو نكلا أو تجاهلا جميعا رجع الأمر إلى ما فسرت لك إذا حلفا أو نكلا أو تجاهلا. والكراء بخلاف ذلك هو للأول على كل حال لأنه لا يدخل في ضمان من قبضه، قاله ابن دحون، وهو صحيح، وحكى فضل من رواية أشهب عن مالك في الذي يوكل رجلا على بيع سلعته فيبيعها الموكل مكانه، ويبيعها الوكيل أن البيع بيع الوكيل لأن الموكل قد يبيعها ممن لا يخالفه، قال فضل: معناه أنه يبيعها ممن لا يخالفه فيها وينظر فإن باع الوكيل بأكثر أسلمها إليه الموكل، وإن باعها الوكيل بأقل قال: قد بعتها قبل بيعك من هذا ليبطل بيع الوكيل ببيع لم يتم، قال فضل: وهذا عندي جيد لأنه حين باعها الموكل مكانه اتهم على ما فعل فصح ما ذهب إليه مالك رَحِمَهُ اللَّهُ، وإذا لم يبعها مكانه لم يتهم على ذلك وحمل محمل من باع بيع صحة. وأما إذا باع الرجل سلعة من رجل ثم باعها بعد من آخر فلا اختلاف في أن الأول أحق بها وإن قبضها الثاني، وفي هذه المسألة تفصيل وتقسيم قد أفردنا القول فيها مسألة مخلصة تحتوي على جميع وجوهها وتقاسيمها إذ سألني ذلك بعض فقهاء الطلبة، فمن أحب الوقوف على الشفاء منها تأملها وتدبرها ووقف على صحتها بحمد الله تعالى.

.مسألة يبضع معه بالبضاعة من مكة إلى مصر:

ومن كتاب أوله: شك في طوافه:
وسئل مالك عن الرجل يبضع معه بالبضاعة من مكة إلى مصر فيمر صاحبها بالمدينة فيكون له بها إقامة فيجد ثقة يخرج إلى مصر أترى أن يبعث بها معهم؟ قال: لا أرى بهذا بأسا، قال عيسى: وسئل ابن القاسم عن هذا فقال: لا شيء على المبضع معه ذهبت من الرسول أو المبضع معه، قال ابن القاسم: ولو لم يجد لها محملا معه وأعطاها لبعض من يثنى به معه لم يكن عليه ضمان، ولو كان معه محمل فحملها غيره لكان لها ضامنا، ومثل ذلك الرجل الحاضر يستودع الوديعة فيستودعها غيره، قال: إن كان ذلك من خراب منزل أو عورة بيت وليس عنده من يحفظ منزله أو أراد سفرا فاستودعها من يثق به فضاعت فلا ضمان عليه، ولو كان منزله في حرز كما وصفت لك ولا يخاف عليه في موضعه فاستودعه غيره ثم ضاع ممن استودعه كان ضامنا، وكذلك قال مالك في الحاضر، وجل ما قال في المسافر سمعته منه، لم يكن في كتاب سحنون قول ابن القاسم هذا ولم يره حسنا وأنكره، روى سحنون في سماعه قال: سئل مالك عن المكي يبعث معه الرجل بضاعة إلى مصر فيعرض للمبضع معه حاجة بالمدينة فيبعث بها مع من يثق به إلى مصر، قال: لا ضمان عليه، قال سحنون: قلت لابن القاسم: ما تقول فيها؟ قال: أما أنا فأقول: إن كانت إقامته بالمدينة إقامة يسيرة الأيام اليسيرة فإن بعث بها رأيته ضامنا، وإن بدا له في الإقامة بالمدينة وذلك يطول فأرى أن يبعث بها، وأستحسن قول مالك؛ لأنه إن حبسها وأقام بالمدينة الإقامة الطويلة فتلفت رأيته ضامنا.
قال محمد بن رشد: قول مالك في أول هذه المسألة لا أرى بذلك بأسا في الذي أبضعت معه بضاعة من مكة إلى مصر فيمر بالمدينة وله بها إقامة فيبعث بها مع ثقة إلى مصر، معناه لا ضمان عليه في ذلك على ما حكى سحنون عنه بعد ذلك من أنه قال: لا ضمان عليه، وفي قوله: إنه لا ضمان عليه إن فعل دليل على أنه لا ضمان عليه أيضا إن أمسكها مع نفسه ولم يفعل، وهو نص قول ابن القاسم من رواية عيسى لا شيء على المبضع معه، ذهبت من الرسول إن بعثها أو من المبضع معه، يريد: ذهبت من الرسول إن بعثها أو من المبضع معه إن أمسكها. وإنما يسقط عنه الضمان إن ادعى الرسول تلفها إذا أشهد عليه بالدفع، فقول ابن القاسم من رواية عيسى عنه تفسير لقول مالك، وأما قوله في رواية سحنون عنه: أما أنا فأقول: إن كانت إقامته بالمدينة إقامة يسيرة، الأيام اليسيرة فإن بعث بها رأيته ضامنا وإن بدا له في الإقامة بالمدينة وذلك يطول به فأرى أن يبعث بها وأستحسن قول مالك فيها إلى آخره فظاهره أنه خلاف لقول مالك، ولا ينبغي عندي أن يحمل على ظاهره من الخلاف لقوله لأنه لا يتكلم على الإقامة الأيام اليسيرة ولا على الإقامة الطويلة، وإنما تكلم على ما بين ذلك، فإن كانت إقامته الأيام اليسيرة نحو ما ينتقل المسافر في طريقه وجب أن يضمن إن بعث بها فتلفت لأن صاحبها قد علم أن سيقيم في طريقه لما يحتاج إليه، فقد دفعها إليه على ذلك، وإن كانت إقامته بالبلد الذي مر به في طريقه إقامة طويلة وجب أن يضمن إن أمسكها ولم يبعث بها وهو يجد ثقة يبعث بها معه فتلفت لأن صاحبها لم يرد أن يودع في ذلك البلد، وإنما أراد توصيلها إلى حيث بعث بها، فإذا تعدى إرادة صاحبها فيها ضمن. والطول في هذه السنة فما فوق ذلك على ما يأتي في سماع محمد بن خالد، وإذا كانت إقامته الشهر والشهرين ونحو ذلك وسعه الاجتهاد في ذلك وجب ألا يضمن أمسكها مع نفسه أو بعث مع ثقة على ما ما قال مالك، ولا يخالف في هذا ابن القاسم، والله أعلم، فلم يرد بقوله: أما أنا فأقول إنه يقول قولا مخالفا لقول مالك، وإنما أراد أنه يقول قولا أفسر من قوله وأبين، هذا الذي أقول به، والله أعلم.
وتمثيل ابن القاسم المبضع معه البضاعة لا يجد لها محملا فيعطيها لبعض من يثق به بالحاضر يستودع الوديعة فيخاف عليها في منزله من عورته أو خرابه أو عدم من يحفظه فيستودعها غيره ليس بتمثيل صحيح، وهو خلاف ما حكى عن مالك في أول كتاب الوديعة من المدونة من أنه لم ير السفر مثل الحضر؛ لأنه إذا دفعه إليه في السفر إنما دفعه ليكون معه، فالذي يأتي على مذهب مالك في المدونة أنه ضامن للبضاعة إذا دفعها إلى غيره وإن لم يجد لها محملا إلا أن يعلم صاحبها أنه لا يجد لها محملا وأنه يعطيها لغيره ممن يحملها فيسقط عنه الضمان، وأما إن لم يعلم بذلك فهو ضامن؛ لأن قبضه البضاعة منه دليل على أنه هو يحملها، ويؤيد هذا تأويل ما وقع في رسم الصبرة من سماع يحيى بعد هذا من هذا الكتاب في الذي يبعث إلى الرجل بالنفقة ليشتري له بها متاعا فيدفعها المرسل إليه لمن يشتري له فتلف إنه ضامن إلا أن يكون صاحب النفقة قد علم أنه لا يلي اشتراء مثل هذا المتاع، وإنما تشبه مسألة الحاضر يستودع الوديعة فيخرب منزله فيستودعها غيره فلا يكون عليه ضمان لما قاله سحنون في آخر سماعه من هذا الكتاب. فيمن أبضع معه بمال فخرج اللصوص إليه فلما رهقوه ألقاها في شجرة ليحرزها على صاحبها أو دفعها إلى فارس ينجو بها إنه لا ضمان عليه، ولهذا الذي ذكرناه لم ير سحنون قول ابن القاسم حسنا على ما ذكر في المدونة.

.مسألة الرجل يأتي الرجل بالبضاعة يحملها إلى مصر:

وسئل عن الرجل يأتي الرجل بالبضاعة يحملها إلى مصر فيقول: إن علي يمينا لا أحمل بضاعة إلا بضاعة إن شئت سلفتها وإن شئت تركتها، قال: لا خير في ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه لا خير في ذلك لاشتراطه ألا يحمل البضاعة إلا على أن يستسلف منها إن شاء فيدخله سلف جر منفعة، فهي أشد من المسألة التي في الرسم الواقع بعد هذا؛ لأن صاحب البضاعة هو الذي أباح له الاستسلاف منها إن احتاج إليها فكره ذلك مخافة أن يكون إنما سمح له بذلك ليحملها له، ولو كان قد طاع له بحملها فقال له: إن احتجت إليها فأنفق منها لم يكن بذلك بأس، وبالله التوفيق.

.مسألة أبضع معه بذهب يبلغها إلى موضع وقال له إن احتجت إليها فأنفق منها:

ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان:
وسئل عمن أبضع معه بذهب يبلغها إلى موضع وقال له صاحب البضاعة: إن احتجت إليها فأنفق منها، قال: ما يعجبني هذا من العمل وكرهه.
قال محمد بن رشد: إنما هذا إذا قال له ذلك مع إبضاعه البضاعة إياه معا، ولو قال له ذلك بعد أن أبضعه إياها لم يكن بذلك بأس، ولو قال له ذلك قبل أن يبضعه إياها لكان ذلك كالشرط ولم يكن فيه خير على ما قاله في المسألة التي قبل هذه في آخر هذا الرسم الذي قبل هذا الرسم، وقد مضى القول في ذلك مستوفى، والله الموفق.

.مسألة أبضع مع رجل بدينار بحبتين بضاعة فأبدله له بقائم:

ومن كتاب أوله: تأخير صلاة العشاء:
وسئل عن رجل أبضع مع رجل بدينار بحبتين بضاعة فأبدله له بقائم، ونفسه بذلك طيبة، أترى أن يعلم صاحبه إذا أبدله؟ قال: لا أرى عليه بأسا ألا يعلمه، ولا ضمان عليه.
قال محمد بن رشد: استخف هذا ليسارة الدينار؛ ولأن الذي يغلب على الظن أن صاحب الدينار يرضى بذلك ولا يكرهه، فليس عليه أن يعلمه، وقد كان القياس ألا يجوز ذلك ابتداء إلا برضاه، وأن يكون ضامنا لذلك إذا فعله بغير رضاه؛ لأن من حقه ألا يرضى بذلك؛ إذ لا يلزمه قبول معروفه، ولعله لا يرضى بماله فيدخله عدم المناجزة في بدل الذهب بالذهب بسبب الخيار الذي يوجبه الحكم لصاحب الدينار الناقص، فمعنى قوله: لا أرى عليه بأسا ألا يعلمه لا أرى عليه أن يعلمه، إذ لو كان عليه أن يعلمه فيجيز ذلك أو يرده لما جاز ذلك لما ذكرناه من الخيار في ذلك على مقتضى القياس، وهو قول مالك في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب الصرف خلاف ما يأتي من إجازة ذلك في رسم البيوع الأول من سماع أشهب بعد هذا من هذا الكتاب من قول مالك ومن قول ابن أبي حازم فيه: لا بأس به فلا تشددوا على الناس هكذا جدا، فليس كما تشددون، ففي فساد الصرف بالخيار الذي يوجبه الحكم فيه دون أن ينعقد عليه قولان، وأما إن انعقد عليه فلا يجوز بإجماع.

.مسألة أبضع مع رجل ببضاعة إلى رجل لا يدري الذي بعث بها معه:

وسئل مالك عن رجل أبضع مع رجل ببضاعة إلى رجل لا يدري الذي بعث بها معه لم بعث بها فألفى الرجل قد هلك فقال خليفته: ادفع إلي، قال مالك: أرى أن يردها إلى الذي بعث بها معه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه يردها إلى الذي بعث بها معه، إذ لا يدري لعله إنما بعث بها لتكون له عنده وديعة أو يشتري له بها ثوبا وما أشبه ذلك، ولو علم أنه بعث بها إليه معه صلة له أو هدية فإن كان أشهد على إنفاذها حين أرسلها فهي لورثة المبعوث إليه. هذا نص ما في كتاب الهبة والصدقة من المدونة، ومعنى ذلك إن كان الموصول والمهدى له حيا يوم الصلة والهدية، ولو كان لم يشهد على إنفاذ الصلة أو الهدية وإنما قال: أشهدكم أني أبعث بهذا المال صلة لفلان أو هدية له فمات الموصول أو المهدى له قبل وصول الصلة أو الهدية إليه لم يكن لورثته منها شيء، هذا معنى ما في المدونة عندي، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة بعث إلي سلعة أبيعها بثمن فبعتها بثمن واستثنيت رضاه فيها:

من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب البيوع الأول قال أشهب: وسئل مالك فقيل له إن رجلا بعث إلي سلعة أبيعها بثمن فبعتها بثمن واستثنيت رضاه فيها، فأرسلت إليه بذلك، فأرسل إلي إنك أبصر بها مني، فإن رأيت أن تجيزها فأجزها، فقال المبتاع: إنما استثنيت رضاه، وأنت الذي بعتني، فقلت: لا أجيزها لك هي بهذا الثمن رخيصة، أفترى ذلك جائزا؟ قال: نعم أرى ذلك جائزا، إن شئت أن تجيز البيع أجزته وإن شئت أن ترده رددته، ما أكثر ما يبيع الرجل الرجل ويستثني رضاه، وهو أبصر بذلك، فأرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الخيار الذي جعل الوكيل لرب السلعة قد رده رب السلعة إلى الوكيل، فوجب أن ينزل في ذلك منزلته فيكون بالخيار بين أن يجيز أو يرد.

.مسألة أبضع معه بعشرين دينارا وبثوب وأمره أن يبيعه له:

وسئل مالك فقيل له: إنه أبضع معي رجل بعشرين دينارا وبثوب وأمرني أن أبيعه له وأشتري له بالعشرين دينارا وبثمن الثوب ثوبا من ثياب مكة، فلما كنت بمكة اشتريت له الثوب قبل أن أبيع ثوبه بأحد وعشرين دينارا أسلفته فيها دينارا من عندي، فلما قدمت المدينة بعت ثوبه الذي أمرني ببيعه بعشرين درهما، أيجوز لي أن آخذ العشرين درهما ثمن ثوبه الذي بعت له بديناري الذي أسلفته إياه في شراء الثوب الذي أمرني بشرائه؟ قال: لا بأس بذلك، ولكن إذا قدمت عليه فأعلمه، فإن أحب أن يجيز أجاز، وإن أحب أن يرد ذلك رده، قيل لمالك: إن الصرف عندنا هناك أغلى منه هاهنا أفيجوز لي أن آخذه بديناري الذي أسلفته؟ قال: لا بأس بذلك، وإذا قدمت عليه فأعلمه، فإن شاء أخذه، وإن شاء نقضه، قيل: ولا ترى به بأسا؟ قال: نعم لا أرى به بأسا. قال أشهب: وسمعت ابن أبي حازم يقول: لا بأس بذلك، قلت له: إن هذا صرف فيه نظرة، قال: لا تشددوا على الناس هكذا جدا، وليس كما تشددون.
قال محمد بن رشد: رواية أشهب هذه عن مالك، وقول ابن أبي حازم خلاف ما في هذا الرسم بعينه من سماع أشهب من كتاب الصرف، وإنما حصل الاختلاف في الصرف على هذا الوجه من الخيار لأنه خيار أوجبه الحكم لم ينعقد عليه الصرف، فلم ير له في هذا القول تأثيرا على صحة عقد الصرف كالعبد يتزوج بغير إذن سيده، والسفيه بغير إذن وليه فيكون سيد العبد وولي اليتيم بالخيار في رد النكاح أو إجازته، والخيار في النكاح لا يجوز، وقد مضى هذا المعنى في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم قبل هذا من هذا الكتاب، وسيأتي فيه في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى.

.مسألة يبضع مع الرجل بالبضاعة يشتري له بها ثم يريد أن يبيع مرابحة:

وسئل مالك عن الرجل يبضع مع الرجل بالبضاعة يشتري له بها ثم يريد أن يبيع مرابحة أعليه أن يبين ذلك إذا باع مرابحة؟ قال: أرأيت كل من ابتاع شيئا أهو الذي يلي الشراء لنفسه؟ ما أرى ذلك عليه إذا كان أمرا صحيحا لا دخل فيه.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع من كتاب المرابحة وفي سماع ابن القاسم منه أن عليه أن يبين إذا باع مرابحة أن غيره اشتراها له. ووجه هذه الرواية أن شراء المشتري مرابحة لم يقع على أن البائع هو المتولي لشراء السلعة حتى يشترط ذلك لما ذكره في الرواية من أن الرجل قد يشتري له غيره، وحمله في سماع ابن القاسم على أن البائع هو الذي ولي شراء ما باع مرابحة حتى بين أنه لم يشترها هو فأوجب للمبتاع أن يرد إذا علم؛ لأن من حجته أن يقول إنما اشتريت منك مرابحة على شرائك لعلمي ببصرك في الشراء وأنك لا تخدع فيه، ولو علمت أن غيرك اشتراها لك لما ابتعتها منك مرابحة، ولكلا القولين وجه، وقد مضى القول على ذلك في كتاب المرابحة، في أول سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة أبضع مع رجل ببضاعة يبتاع له بها طعاما:

وسئل عمن أبضع مع رجل ببضاعة يبتاع له بها طعاما ثم أتاه بعد ذلك فأخبره أن قد ابتاع بها طعاما وقبضه وسأله أن يبيعه إياه، قال: ما أحب هذا وما يعجبني.
قال محمد بن رشد: قد أجاز في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال لمن أسلم في طعام أن يبيعه بقبض وكيله، ولا إشكال في جواز ذلك؛ لأنه قد دخل في ضمانه بقبض وكيله إياه إذا تحقق أنه قد قبضه، فإنما كره له في هذه المسألة أن يبيعه منه إذا لم يتحقق أنه قبضه لاحتمال أن يكون كذبه، ولو تحقق ذلك لما كرهه، إلا أن الوكيل في هذه المسألة هو المبتاع للطعام بالثمن الذي دفعه إليه موكله فلا يجوز أن يبيعه منه وإن تحقق أنه قبضه بأكثر مما دفع إليه ولا بدنانير إن كان دفع إليه دراهم، ولا بدراهم إن كان دفع إليه دنانير، إلا أن يكون البخس في الصرف على رب الطعام فترتفع التهمة في ذلك، قاله ابن دحون، وهو صحيح إن شاء الله تعالى.

.مسألة أعطى رجلا حمارا ليبيعه له فباعه بعشرة دنانير على أن يستأمر رب الحمار:

ومن كتاب الأقضية:
وسئل مالك عمن أعطى رجلا حمارا ليبيعه له فباعه بعشرة دنانير من رجل على أن يستأمر رب الحمار، فتوجه إلى الرجل ليعلمه ذلك فلقيه رجل فقال: أين الحمار؟ فقال: بعته بعشرة دنانير على أن أستأمر رب الحمار، فقال له الرجل: فلك زيادة دينار وهو لي بأحد عشر دينارا، أفترى الذي باع الحمار أن يخبر رب الحمار بهذا؟ قال: نعم يخبره، وبئس ما صنع الذي زاد، لم يصب بذلك، قيل له: أيخبر بالزيادة؟ قال: نعم يخبر بها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة سافر برقيق لنفسه وبضاعة لقوم فأنفق على نفسه نفقة:

وسئل عمن سافر برقيق لنفسه وبضاعة لقوم فأنفق على نفسه نفقة أيحسب على البضاعة من النفقة التي أنفق على نفسه شيئا؟ قال: أتريد أن تأخذ مما أنفق على نفسه من البضاعة؟ قال له: نعم، قال ليس ذلك له، وإن أشياء لتكون لؤما لا تجمل ولا تحسن.
قال محمد بن رشد: وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك خلاف رواية أشهب هذه عنه، وقد مضى الكلام على ذلك هناك مستوفى فلا معنى لإعادته.

.مسألة عبد بعث معه ببعيرين فتهشم أحدهما بالطريق فنحره فأكل منه:

ومن كتاب الأقضية الثاني:
وسئل عن عبد بعث معه ببعيرين وهو لا يزال يبعث معه بمثل ذلك فتهشم أحدهما بالطريق فنحره فأكل منه، ثم جاء بأحد البعيرين فسئل عن الآخر فقال: تهشم فنحرته فأكلت منه ولا بينة له على ذلك، فقال: أين أصابه ذلك؟ أفي قرية؟ أفلا يعلم ذلك أحد من أهل القرية؟ قيل له: فإنه كان في صحراء فذبحته حين خفت أن يموت، فقال: عليه أن يغرم، أرأيت لو أن رجلا أخذ بعير إنسان فنحره ثم قال: وجدته يموت أكان يصدق؟ فهذا مثله، قيل له: إنه يقول إنه مؤتمن، قال: ليس على هذا اؤتمن، إنما اؤتمن على أن يبلغه، ولو تركه حتى يموت لم يكن عليه شيء، قيل له: أفيكون ذلك الغرم في ذمته أو على سيده؟ فقال: بل على سيده.
قال محمد بن رشد: وجه ما ذهب إليه مالك في هذه الرواية أن العبد ليس له أن ينحر البعير الذي أرسل معه وإن خشي عليه الموت لأنه متعد في ذلك إذ لم يؤذن له فيه، ولعله لو لم ينحره لم يمت، فهو بمنزلة من ذبح بعير رجل فقال وجدته يموت، فسواء كانت للعبد بينة على ما زعم من أنه خشي عليه الموت ولذلك نحره، أو لم تكن، وسواء إن كان في قرية علم ذلك أحد من أهل القرية أو لم يعلم، إلا أنه أبين في الضمان إذا لم تكن له بينة أو لم يعلم ذلك أحد من أهل القرية، وهذا هو الذي أراد مالك أن يبين من قوله: أفلا يعلم ذلك أحد من أهل القرية لا أنه إن علم ذلك أحد من أهل القرية أو كانت له بينة سقط عنه الضمان. ومعنى قوله في آخر المسألة: بل يكون الغرم على سيده أن ذلك يكون في رقبة العبد فيخير سيده بين أن يغرم قيمة البعير الذي ذبح عبده أو يسلم فيها رقبة عبده لا أنه يغرم قيمة البعير لصاحبه من ماله ما بلغت، وإنما أراد ذلك في رقبة العبد لأنه لم يصدقه فيما ادعى من أنه خشي عليه الموت فذبحه نظرا لربه، فهذا وجه كون ذلك في رقبته، ولو صدقه فيما ادعاه من أنه خشي عليه الموت فذبحه لأشبه أن يكون أيضا ذلك في رقبته على قول أشهب ورواية ابن وهب عن مالك في الراعي يخشى على الغنم الموت فيذبحها أنه ضامن إذ لم يجعل إليه ذلك ولا أذن له فيه. وقول مالك في هذه المسألة يشبه ما وقع لابن القاسم وأشهب في سماع سحنون من كتاب العارية في العبد يأتي إلى الرجل فيقول: سيدي أرسلني إليك في كذا وكذا فيعطاه فيتلف عنده أو يزعم أنه قد دفعه إلى سيده وينكر السيد أن ذلك يكون في رقبته، وقد احتج ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الجنايات بقول مالك هذا لقوله: إن ذلك يكون في رقبته. وأشبه المسائل عندي بهذه المسألة مسألة العبد يستودع الوديعة فيستهلكها بالإفساد لها في غير منفعة، فابن القاسم يقول إنها في ذمته؛ لأن صاحبها ائتمنه عليها، وابن الماجشون يقول: إنها في رقبته لأنه تعدى عليها فإنها جناية منه، فقول مالك في هذه الرواية موافق لقول ابن الماجشون، ومخالف لقول ابن القاسم في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة يبعث بدنانير إلى مثل الإسكندرية إلى رجل يبتاع بها بزا كل عشرة دنانير بدينار:

قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن الذي يبعث بدنانير إلى مثل الإسكندرية إلى رجل يبتاع بها بزا كل عشرة دنانير بدينار، قال: لا بأس به إذا كان ما اشترى له من قليل أو كثير قبله، فإن كان يشتري له فيختار عليه فلا خير فيه، قيل: أترى عليه ضمان المال؟ فقال: لا أرى عليه ضمانا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة مثل ما في كتاب الجعل والإجارة من المدونة لأنه جعل، فإذا فوض إليه الشراء باجتهاده ولم يكن يختار عليه جاز ولزم صاحب المال الجاعل كل ما اشترى له إذا اشترى له ما يشبهه في تجارته وكسوته، قال في المدونة ويكون له في كل ما اشترى من قليل أو كثير ما يجب له من حساب دينار في العشرة، ولا يلزمه التمادي على الشراء، وله أن يرد ما بقى من المال متى شاء، وأن يرد جميعه قبل أن يشتري له شيئا إن شاء، وكذلك صاحب المال الجاعل له أن يسترد ماله أو ما بقي منه إن شاء من عند المبعوث إليه به المجعول له، ولو أعطى دنانيره لرجل على أن يخرج بها إلى الإسكندرية فيشتري بها بزا وله في كل عشرة يشتري بها دينار لم يكن له أن يسترد ماله منه بعد أن يخرج به لئلا يبطل عليه عناءه باتفاق، ولا قبل أن يخرج به على اختلاف، إذ قد قيل إن الجعل يلزم الجاعل بالعقد. وقوله إنه لا ضمان عليه في المال صحيح لأنه مؤتمن عليه، فالقول قوله إن ادعى ضياعه كالمودع، وبالله التوفيق.

.مسألة وكل رجلا يبيع له غلاما فباعه من رجل ثم ادعى المشتري عيبا في العبد:

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله: نقدها نقدها قال عيسى: سألت ابن القاسم عن رجل وكل رجلا يبيع له غلاما فباعه من رجل ثم ادعى المشتري عيبا في العبد وهو مما يحدث فطلب أن يحلفهما جميعا، قال: إنما يحلف الوكيل الذي باعه إن أراد رده على ذلك، فإن حلف وإلا رده، فإن زعم الموكل أنه لم يحط بذلك علما قيل للمشتري احلف ورده، وليس يستحلف في هذا السيد الموكل، وإن أراد المشتري أن يحلف السيد كان ذلك له، ولكنه إذا طلب من الرسول أن يحلف كان ذلك له، ولكن وجه القضاء أن يستحلف الموكل إلا أن يريد المشتري أن يستحلف السيد الأول فيكون ذلك له. قال أصبغ بن الفرج: أرى له أن يحلفهما جميعا ما علما بذلك العيب، فإن نكلا أو نكل أحدهما كان له أن يرد إن شاء.
قال محمد بن رشد: معنى قول ابن القاسم وأصبغ أن البائع لم يعلم المبتاع أنه لغيره، ولو أعلمه لم تكن له عليه يمين، كذلك في كتاب العيوب من المدونة في سماع ابن القاسم من كتاب العيوب لأن عهدة ما باع الوكيل إنما هي على الموكل لا على الوكيل إذا علم من حاله أنه إنما يبيع لغيره أو علم بذلك المبتاع منه عند بيعه، بخلاف ما يختلف فيه الوكيل مع المبتاع فيما باع منه، هذا يحلف فيه الوكيل وإن علم أنه وكيل لأنه قصر في ترك الإشهاد حسبما مضى القول فيه، في أول رسم من سماع ابن القاسم. والذي ذهب إليه ابن القاسم في هذه الرواية أنه ليس للمتباع أن يحلف الموكل والوكيل في العيب الذي ادعى أنه في العبد قديم، وإنما وجه الأمر أن يحلف الوكيل الذي باعه منه إن كان لم يعلمه أنه لغيره، فإن نكل عن اليمين حلف هو ورد العبد عليه، وإن أراد أن يحلف السيد الموكل لم يكن له أن يحلف الوكيل، وذلك خلاف مذهبه في الوكالات من المدونة في الذي يوكل الرجل أن يسلم له في طعام فيدعي المسلم إليه أنه وجد في الدراهم التي دفع له زيوفا أن له أن يحلفهما جميعا، يحلف المأمور ما يعرفها من الدراهم التي أعطاه ولا أعطاه إلا جيدا في علمه، ويحلف الآمر ما يعرفها من دراهمه وما أعطاه إلا جيدا في علمه، وهو قول أصبغ في هذه المسألة إن له أن يحلفهما جميعا ما علما بذلك العيب، فإن نكلا أو نكل أحدهما كان له أن يرد إن شاء، معناه بعد يمينه. وقوله إنهما يحلفان على العلم ما علما بذلك العيب معناه إن كان العيب مما يخفى على المشهور من مذهب ابن القاسم المنصوص له في المدونة، وقد قيل إنه يحلف على العلم في الظاهر والخفي، وهو قول أشهب، وقيل إنه يحلف على البت في الظاهر والخفي، وهو قول ابن نافع ورواية يحيى عن ابن القاسم في رسم أول عبد ابتاعه من سماعه من كتاب العيوب.

.مسألة وكل وكيلا باشتراء سلعه سماها فاشتراها ونقد الثمن:

ومن كتاب أوله: عبد استأذن سيده:
قال: وسألته عن رجل وكل وكيلا باشتراء سلعه سماها فاشتراها ونقد الثمن ثم أتاه فقال: أعطني الثمن قال الآمر: قد أعطيتك، وإنما اشتريتها بدراهمي، قال ليس القول قوله، وإنما القول قول المشتري مع يمينه، ويحلف بالله ما أخذ منه ثمنها ويأخذ منه الثمن.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قال فيها بعض أهل النظر معناها أن الآمر لم يقبض السلعة، ولذلك كان القول قول المشتري، فليست بخلاف لما في أول رسم من سماع ابن القاسم أن الرجل سفير امرأته وليس ذلك بصحيح حسبما بيناه في مسألة سماع ابن القاسم، ولا معنى لإعادته، فالصواب أن قول ابن القاسم في هذه المسألة خلاف قول مالك في سماع ابن القاسم، إذ لا فرق بين المسألتين، وبالله التوفيق.